ابن قيم الجوزية

279

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تصف الدواء لذي السقام من الضنى * ومن الضنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت ذميم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى * بالقول منك وينفع التعليم فالعمى عن عيب الواعظ : من شروط تمام الانتفاع بموعظته . وأما تذكر الوعد والوعيد : فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه . ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به ، وخافه ورجاه . قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ [ هود : 103 ] وقال سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) [ الأعلى : 10 ] وقال : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) [ النّازعات : 45 ] وأصرح من ذلك قوله تعالى : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ ق : 45 ] فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر يستحيل حصوله بدونه . * * * قال : « وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء : بحياة العقل . ومعرفة الأيام . والسلامة من الأغراض » . إنما تتميز « العبرة » وترى وتتحقق بحياة العقل . و « العبرة » هي الاعتبار . وحقيقتها : العبور من حكم الشيء إلى حكم مثله . فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه ، علم أن حكم من ارتكب ذلك السبب كحكمه . وحياة العقل : هي صحة الإدراك . وقوة الفهم وجودته . وتحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به . وهو نور يخص اللّه به من يشاء من خلقه . وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه ، ووجوده وعدمه ، يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم . ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين . ومن تجربيات السالكين ، التي جربوها فألفوها صحيحة : أن من أدمن « يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت » أورثه ذلك حياة القلب والعقل . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - شديد اللهج بها جدا . وقال لي يوما : لهذين الاسمين - وهما « الحي القيوم » - تأثير عظيم في حياة القلب . وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم . وسمعته يقول : من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر « يا حي يا قيوم . لا إله إلا أنت . برحمتك أستغيث » حصلت له حياة القلب . ولم يمت قلبه . ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها ، وسرّ ارتباطها بالخلق والأمر ، وبمطالب العبد وحاجاته : عرف ذلك وتحققه . فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له . فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك . وأما معرفة الأيام : فيحتمل أن يريد به أيامه التي تخصه ، وما يلحقه فيها من الزيادة والنقصان . ويعلم قصرها ، وأنها أنفاس معدودة منصرمة . كل نفس منها يقابله آلاف آلاف من السنين في دار البقاء . فليس لهذه الأيام الخالية قط نسبة إلى أيام البقاء . والعبد منساق زمنه ،